علي الأحمدي الميانجي

40

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

الحَمدُ للَّهِ الَّذي أدعوهُ فَيُجيبُني « 14 » وإن كُنتُ بَطيئاً حينَ يَدعوني « 15 » وَالحَمدُ للَّهِ الَّذي أسأَلُهُ فَيُعطيني « 16 » وإن كُنتُ بَخيلًا حينَ يَستَقرِضُني « 17 » « الحمد للَّه » الثناء عليه بالفضيلة ، وهو أخصّ من المدح وأعمّ من الشكر ، فإنّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ، وممّا يقال منه وفيه بالتسخير ، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه ، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه ، والحمد يكون في الثاني دون الأوّل ، والشكر لا يقال إلّافي مقابل نعمة ، فكلّ شكر حمد ، وليس كلّ حمد شكراً ، وكلّ حمد مدح وليس كلّ مدح حمداً . « 1 » واللّام للجنس ، ومعناه الإشارة إلى الحقيقة ، من حيث هي حاضرة في ذهن السامع ، والجارّة : للاختصاص فتختصّ حقيقة الحمد به ، فيكون جميع أفرادها مختصّة به سبحانه ؛ لأنّ النعوت الكمالية كلّها ترجع إليه ؛ لأنّه فاعلها وغايتها كما حُقّق في مقامه ؛ ولأنّه الموجود الحقيقي ، كما يعرفه العارفون ، وثبوت الصفة فرع ثبوت الموصوف ؛ وذلك أنّهم يرون كلّ قدرة مستغرقة في القدرة بالذات ، وكلّ علم مستغرق في العلم بالذات ، وهكذا في كلّ صفة كمالية » . « 2 » وبالجملة ، إنّ اللَّه سبحانه هو الذي خلق العالم وقدّر ونظم فأبدع ، وجعل كلّه مشتملًا على علل ومعلولات وأسباب ومسبّبات في تدبيرٍ متّصل مرتبط كموجَدٍ واحد ، يحكم عليه قانون واحد وإرادة واحدة ، فكان جميع العوالم موجود واحد يدبّره تدبير واحد ، والإنسان جزء من هذا الواحد ، وواقع في سلسلة العلل والمعلولات والأسباب والمسبّبات ، و « أبى اللَّه أن يجري الأشياء إلّابأسبابها » ، « 3 » فكلّ حسنة تصل إليه بتدبيره تعالى وأمره بها ، وكلّ ما أصابته من سيّئة فهو اختياره ونهيه تعالى عنها ؛ لأنّ اللَّه تعالى أراد أن يكون الإنسان مختاراً وأفعاله اختيارية بتمامه في خيرها وشرّها ، وهو المعاقب والمثاب ، وأمرهم بما فيه صلاحهم معاداً ومعاشاً ، فكلّما يرتكبه ويفعله من الحسنات فهو بأمره ورضاه وحوله

--> ( 1 ) . مفردات ألفاظ القرآن : ص 131 . ( 2 ) . رياض السالكين : ج 1 ص 230 . ( 3 ) . انظر : بصائر الدرجات : ص 26 ، الكافي : ج 1 ص 183 ح 7 ، بحار الأنوار : ج 2 ص 90 .